مواقف علمتني الكثير (3)
ذهلت حقيقة لصوتها الباكي بعد سماعي ارتطام شيء ما على الأرض من رفّ غرفتهم، وخمّنت أنه ربما وقع على قدمها الصغير شيئ ما، فالتفت بشكل سريع لأعرف سبب ذلك الصراخ الذي هزّني، فبادرتني أختها الكبيرة ـ حينما قرأت في ملامحي أثر التأثر ـ بابتسامة عريضة زادت من ذهولي.
ثم قالت : مافيش حاجة ياخال،
هذي تبكي لأن هذا المصحف سقط أثناء تناولي القلم من الرف.
لم أتمالك نفسي من شدة الإعجاب و الاستغراب، فاحتضنتها ومسحت دموعها التي ملأت وجهها، وقد ابتل بها جزء من طرف فستانها، تلك هي ابنتنا الصغيرة( تيماء) التي لم تتجاوز السادسة من عمرها بعد.
موقف بسيط لفتاة لم تدرك بعد مايحتويه ذلك الكتاب سوى أنه كلام الله، ومن أجل ذلك يوضع في مكان عالٍ لا يعلوهُ شيئ، ويجب الحفاظ عليه نظيفا، ذلك كل ماتعلمته تلك الطفلة البريئة ذات الفطرة السليمة.
موقف بسيط .. لكنه يحمل بين ثناياه الكثير من الدروس، والعديد من العبر؛ لمن كان له قلب يتأثر وعقل يتدبر.
موقف عادي .. لكنه يجعلك تتساءل، كم مرة أسقطت ذلك الكتاب من حسابك، ولم تعره اهتماما، فلم يتأثر عقلك، ولم يشعر بذلك السقوط فؤادك، فضلاً عن جريان دمعاتك.
موقف عابر .. لكنه يجعلك تقف في صمت، تقلب في أفكارك مفتشاً عن مدى معزتك لذلك الكتاب، وتتحسّس في داخلك مستوى تعظيمك له، ومدى اهتمامك به.
ذلك الموقف، يجعلك تستعرض ما هو مخزون لديك أو محفوظ من سوره وآياته في ذاكرتك، وما سقط منها في قاع النسيان.
وربما يذكرك بمواقف ثبت فيها قلبك على الالتزام، ولم يسقط أو ينزلق في أتون المعصية وساح الشيطان.
الله! كم أيقظ صراخك ـ ياتيماء ـ من معان ، وكم أهاجت دموعك من أشجان؟!
نسأل الله أن يجعلنا وإياك أخي القارئ من محبي القرآن، ومن أهل القرآن، ويوفقنا إلى مافيه من خير وفضل وإحسان، إنه جوادٌ كريمٌ منّان.